السيد الطباطبائي
116
تفسير الميزان
والطمس - كما قيل - تغير إلى الدثور والدروس فمعنى ( اطمس على أموالهم ) غيرها إلى الفناء والزوال ، وقوله : ( واشدد على قلوبهم ) من الشد المقابل للحل أي أقس قلوبهم واربط عليها ربطا لا ينشرح للحق فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم فهو الطبع على القلوب ، وقول بعضهم : إن المراد بالشد تثبيتهم على المقام بمصر بعد الطمس على أموالهم ليكون ذلك أشد عليهم وآلم ، وكذا قول آخرين : إنه كناية عن إماتتهم وإهلاكهم من الوجوه البعيدة . فمعنى الآية : وقال موسى - وكان ذلك بعد يأسه من إيمان فرعون وملئه ويقينه بأنهم لا يدومون إلا على الضلال والاضلال كما يدل عليه سياق كلامه في دعائه - ربنا إنك جازيت فرعون وملاه على كفرهم وعتوهم جزاء السوء فآتيتهم زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا إرادة منك لان يضلوا من اتبعهم عن سبيلك ، وإرادتك لا تبطل وغرضك لا يلغو ربنا ادم على سخطك عليهم واطمس على أموالهم وغيرها عن مجرى النعمة إلى مجرى النقمة ، واجعل قلوبهم مشدودة مربوطة فلا يؤمنوا حتى يقفوا موقفا لا ينفعهم الايمان وهو زمان يرون فيه العذاب الإلهي . وهذا الدعاء من موسى عليه السلام على فرعون وملئه إنما هو بعد يأسه التام من إيمانهم ، وعلمه أنه لا يترقب منهم في الحياة إلا أن يضلوا ويضلوا كدعاء نوح على قومه فيما حكاه الله : ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) نوح : 27 ، وحاشا ساحة الأنبياء عليهم السلام أن يتكلموا على الخرص والمظنة في موقف يشافهون فيه رب العالمين جلت كبرياؤه وعز شأنه . قوله تعالى : ( قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ) الخطاب - على ما يدل عليه السياق - لموسى وهارون ولم يحك الدعاء في الآية السابقة إلا عن موسى ، وهذا يؤيد ما ذكره المفسرون : أن موسى عليه السلام كان يدعو ، وكان هارون يؤمن له وآمين دعاء فقد كانا معا يدعوان وإن كان متن الدعاء لموسى عليه السلام وحده . والاستقامة هو الثبات على الامر ، وهو منهما عليهما السلام الثبات على الدعوة